الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

206

نفحات القرآن

وفي القسم الثالث يُوَجِّهُ الأنظار نحو مسألة المعاد فيقول تعالى : « لَيَجْمَعَنَّكُمْ الَى يَومِ القِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ » . وفي القسم الرابع يلفت النظر إلى هذه النتيجة : « الَّذِيْنَ خَسِرُوا انْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمنُونَ » . ويرى عدد من المفسرين بالنسبة إلى الرابطة التي تربط هذه الأقسام الأربعة مع بعضها بأنّ القسم الأول يختص بأمر التوحيد ، والقسم الآخر بالمعاد ( أو بالنبوّة والمعاد معاً ) لبيان أبعاد أصول الدين الرئيسية « 1 » . لكنّ المرحوم العلّامة الطباطبائي يرى بأنّ الآية بِرمّتها تختصّ ببيان أمر المعاد ، وهذا التفسير أقرب إلى الصّحّة ، ولتوضيحه نقول : إنّ اللَّه تعالى بيّن في القسم الأول من الآية مالكيته وحاكميته على عالم الوجود من خلال طرح سؤالٍ واحدٍ والإجابة عليه ، فهو يوضَّح ذلك الأمر بواسطة سؤالٍ ينبع جوابُهُ من صميم الفطرة والروح حتى أنّ المشركين أيضاً يخفضون جناحهم له كما لو قال الأب لولده : ألم اوفِّر لك جميع متطلبات طلب العلم والارتقاء ؟ ومن دون أن ينتظر الجواب يقول : لقد فَعَلْتُ وذلك حقاً ) . وبهذا يثبت أنّه لا يوجد في عالم الوجود أي شيء يمكنه الوقوف أمام إرادة الحق تعالى وأوامره . ثم يضيف : إنّ اللَّه القادر كتب على نفسه الرحمة ، وكيف لا يكتب ذلك على نفسه عندما يكون مصدراً للفيض الذي لا يتخَّللُهُ بخلٌ ولا ينقصه العطاء الدائم شيئاً . فهل الرحمة إلّااعطاء النعم لمن يستحقّها ويليق بها ؟ وهل هي إلّاايصال كل موجودٍ إلى كماله المطلوب وفقاً لاستعداده ؟ وبعد أن أثبت هاتين المقدمتين ( أيْ أنّ اللَّه العالم منبع الرحمة من جهة ، ومن جهة أخرى لا يمكن أن يمنع فيضه ورحمته أيُّ مانع ) ذكر النتيجة في الجملة الثالثة

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 12 ، ص 164 ؛ وتفسير القرطبي ، ج 4 ، ص 2392 .